مقالات وأخبار

العمل بلا أصابع
  • المرصد

هبة الأشقر- "هل من المنطقي أن أعمل بنصف أصبع؟" ، " عندما يكون أمامك إما العمل أو أن تخسر عملك الذي يساعدك لإعالة عائلتك، ماذا تفعل؟" ، " دعنا نكون واقعيين، أن تجد عملاً آخر هو شبه مستحيل خاصة عندما تحمل هذه الهوية الزرقاء!" ، "تصل لمرحلة أنك تكره من أنت و بلدك و هويتك و جنسيتك..".

 

كلمات خرجت من فم محمد وهو يتأمل إصبعه المبتور. محمد شاب فلسطيني كان يعتبر نفسه محظوظا بعد أن حصل على فرصة عمل في إحدى المكتبات القريبة من الجامعة العربية في بيروت. صحيح أنه كان يعمل لساعات عمل طويلة وليس لديه أي تأمين، والصحيح أيضا أن أجره ليس كافيا، ولكنه كان راضيا...

بكثير من الحزن والألم يروي محمد قصته في ذلك النهار المشؤوم، حين كان منهمكا في طباعة الاعلانات، كان ضغط العمل قويا، ويحتاج إلى أكثر من عامل لإنجازه، وبدلا من تشغيل عامل آخر مع محمد كان قرار صاحب المكتبة أن يقوم محمد بكل العمل فأوكل إليه بالاضافة إلى طبع الاعلانات أن يقوم بقصها أيضا. كان على محمد أن يتعامل مع آلةجديدة عليه بشفرات حادة خطرة، في ظل ضغط عمل لا يكاد يحتمل، كان يقفز من مكينات الطباعة إلى مكينات القص إلى أن التهمت احدى الشفرات الحادة إبهامه وقطعته كليا، باغته شعور بالصدمة للوهلة الأولى أقوى من إحساسه بالالم شعر بأن أصبعه المبتور ينبض بقوة، دقات قلبه المتسارعة زودت من ضخ الدم الذي بدأ يسيل بقوة على صور الاعلانات وعلى الارض، يتذكر محمد المشهد بغصة " كنت أركض إلى الحمام و عامل النظافة ينظّف الدماء من خلفي." لم تكن إصابة عادية يمكن معالجتها ببعض الماء و الصابون، فانطلقت إلى المستشفى.

في المستشفى وبعد إجراء الاسعفات الاولية، اتصل محمد بصاحب المكتبة، ليطلب مساعدته في تحمل نفقات المستشفى، فقد أصيب في مكان العمل وبآلة التقطيع التي فُرض عليه أن يعمل عليها. لكن رد صاحب المكتبة كان أكثر إيلاما من الشفرة التي قطعت إصبعه. صاحب المكتبة الذي أبدى أسفه لما حصل مع محمد، أبدى أيضا لامبالاة واكتراثه بما أصاب أحد عماله لقد كان مشغولا في بتسليم الطلبية في الوقت المناسب فأبلغ محمد أنه لا يستطيع أن يساعده حيث أنه غير مسجل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ضاربا بعرض الحائط مرسوم طوارئ العمل الذي يحمل صاحب العمل مسؤولية تحمل كامل أكلاف العلاج.

ولم يكف محمد أن يعالج نفسه بنفسه، ويستطرد بسرد  قصته بغضب مكتوم"لقد عملت في اليوم التاني، لم يقبل صاحب العمل بأن آخذ إجازة إلى أن يشفى إبهامي، و أنا عملي كلّه بأصابعي، علي أن أكتب و أستعمل الكمبيوتر، و الأسوأ من ذلك، أن النصف نهار الذي لم أداومه تمّ خصمه من راتبي."

قصة محمد وإن بدت وكأنها كاريكتورية لرسام مفرط في نظرته التشاؤمية إلا أنها ليست سوى واقع يعيشه العامل الفلسطيني في بلد يحرمه الكثير من حقوق العمل من جهة وتسيطر على فلسطينيه فكرة انهم محرمون من كل الحقوق ما يدفعهم إلى الاستكانة للانتهاكات الحاصلة بحقهم وكأنها أمر طبيعي، فـ"محمد" لم يكن يعرف أنه يستطيع أن يطالب صاحب المكتبة بدفع كلفة علاجه وتعويض عن بتر إصبعه، وهذا ما يؤكده حين يقول"لم أكن أعي أن لدي حق بأن أقدّم شكوى، أو حتى أن لدي هذه الحقوق"   ثم يتأمل في إصبعه المبتور قبل أن يضيف"منذ الصغر و يقولون لنا  *لا حقّ لديك* ، من الطبيعي أن لا أفعل شيء و تبقى الأمور كما هي لأحافظ على عملي."

Read 199 times Last modified on الأربعاء, 03 تشرين1/أكتوير 2018 09:49
Share this article

اتصل بنا

  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  •    00 961 05 95 15 73

تابعونا على

مقالات وأخبار

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…