مقالات وأخبار

الفلسطينيون: آخر المدافعون عن الإنسانية

-المرصد

أسعد سمور- بدت شاشة التلفاز ثقيلة على صدري، أردت الهروب من المشهد. ألاف الفلسطينيون يذبحون بدم بارد لأنهم قالوا لا. هربت من المنزل ومن عجزي كأي مواطن عربي، وفي السيارة كنت أتوقع أن يصدح المذياع بمخدر الأناشيد والأغاني الثورية، لكن المذياع خذلني، وأخذ يبث التصريحات الأميركية والاسرائيلية عن حق إسرائيل وعن الاعتداءات الفلسطينية.  ركنت السيارة جانبا وقررت السير، مرة أخرى يأتني الحصار، خدمة الخبر العاجل في هاتفي باتت لعنة، عداد الشهداء يتصاعد، وناشرو الأخبار يتمادون في مضايقتي، تصلني صورة ايفانيكا تضحك فوق أشلاء الضحايا. أهرب بحثا عن صمت ألوذ به بعيدا عن وقاحة "جريمة القرن"، فلا أجد إلا الصمت العربي، فيزداد الصخب الوقح. أحاول أن أبحث عن مخرج لعجزي فيلوح لي خيار الاستكانة إلى الأمل في حياة أخرى حيث العدالة الإلهية، فأرفض هذا الخيار وأمضي.

أفكر قليلا، كم غريبة هي القدس!  كيف تفعل بنا كل هذا، كيف تجتاح تفكيرنا دفعة واحدة، وكيف تحوم في الذاكرة كطيور مهاجرة، وكيف تصير ساحة صلاة، كيف تخلق حولها وفيها هذا الجمال. وكم مجرم هذا العالم الذي حولها إلى ميدان معركة، وحواجز رعب، وبنادق مرفوعة بوجه أبناء خرجوا من رحم أزقتها، ومن حجارة معابدها، ومن لون الشمس فوق قبابها، هؤلاء وحدهم يستلون صوتهم من غمد الصمت العربي ويضربون به عدوهم، ويرحلون ليضيؤوا سماء هذا الليل.

في العام السبعين على النكبة الانسانية في فلسطين، وصل العالم إلى مرحلة من الجنون والعبثية، مرحلة تتوجت بوصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية. ومع وصوله قرر نقل عاصمة بلاده إلى القدس ليكرس إحتلال الكيان الاسرائيلي للقدس. ولا شك أن تكريس هذا الواقع هو وصمة عار على جبين الحضارة الانسانية والبشرية فالصهيونية التي قام على أساسها الكيان الاسرائيلي ليست سوى مرحلة متقدمة من العنصرية، أليست الصهيونية هي الذبح والقتل والسجن بسبب التميز العرقي، والديني، واللون، والجندر وكل شيئ؟ وبأي حق يعطي دونالد ترامب القدس عاصمة الانسانية والتلاقي والمحبة لدولة تقوم على فكر عنصري؟ وكيف للإنسانية أن تتفرج عن ذبح شعب طيلة سبعين عاما وتصفق للقاتل؟ وكيف لنا في لبنان، نحن الذين ذقنا مرارة الاحتلال، وألم التهجير، كيف لنا أن نحرم الفلسطيني من حقه في العمل، وفي السكن، وفي الاستراحة قليلا من هول المجزرة؟

في خضم هذا الجنون يبقى الفلسطيني يواجه بلحمه الحي حفلة الجنون، وآلة الحرب والموت. يبقى الفلسطيني في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة، وفي الداخل الفلسطيني واقفا بيد عارية إلا من حجر، يقول هنا ولدت وهنا سأموت.  يبقى الفلسطيني واقفا ليواجه أكبر جريمة في تاريخ الإنسانية، ويقف معه كل أحرار العالم، دفاعا عن إنسانيتنا وعن الخير وعن الحق وعن الجمال، وعن حياة أفضل للأجيال المتعاقبة، دفاعا عن عالم خالي من العنصرية والتمييز الديني، دفاعا عن عالم يتحلى بقيم أخلاقية وبقيم العدالة، بدلا من منطق جنون العظمة وشرور العنصريين وشراهة عبيد المال

في ذكرى النكبة لا أملك شيئا سوى الكلمة. ولا أملك سوى الحسرة، ولا أملك سوى قلبا يعتصره الألم، ولا أملك سوى الإنحناء أمام رجال ونساء وأطفال يتفرجون كل يوم على الموت يجول بينهم فيتألمون ويأملون بغد أفضل. يرشقون الدبابة بالحجر، ويشاهدون إجتماعات القمة العربية، يضحكون قليلا ثم يستشهدون.

Read 253 times Last modified on الأحد, 20 أيار 2018 14:34
Share this article

اتصل بنا

  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  •    00 961 05 95 15 73

تابعونا على

مقالات وأخبار

Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…